محمد طاهر الكردي
530
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
بيان فضل أهل مكة من الآية الآتية قال اللّه تعالى في سورة البقرة : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . يفهم من هذه الآية الكريمة عناية اللّه عز وجل وعظيم رحمته وفضله بأهل بلده الأمين " مكة المكرمة " سواء المؤمن منهم أو الكافر . فإن خليل اللّه إبراهيم ، عليه أفضل الصلاة والتسليم ، لما دعا لأهل مكة بالرزق من الخيرات والثمرات ، خص المؤمنين منهم فقط دون الكافرين والمشركين فقال كما حكى اللّه تعالى عنه : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . لكن اللّه تبارك وتعالى ، يعامل جميع خلقه وعباده في دار الدنيا باللطف والرحمة والفضل والإحسان ، سواء كانوا من المؤمنين أو من الكفار ، لأنه عز وجل ، هو ربهم وهو الذي خلقهم ، فلو لم يرزق من عباده إلا المؤمنين ، فمن يرزق الكافرين إذا ، فلما خص خليله إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم المؤمنين بالدعاء أجابه العزيز الحكيم الرزاق الكريم بقوله : قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . أي إني أمتع الكافرين منهم أيضا بالنعم والثمرات في دار الدنيا ، فإذا مات على كفره ولم يؤمن ، فإني أضطره وأدفعه في الآخرة إلى عذاب النار وبئس المصير الذي صار إليه . قال في تفسير ابن كثير رحمه اللّه تعالى عند هذه الآية ، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال : كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يحجرها - أي الدعوة - على المؤمنين دون الناس ، فأنزل اللّه تعالى وما كفر أيضا أرزقهم كما أرزق المؤمنين ، أأخلق خلقا لا أرزقهم ؟ أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير ، ثم قرأ ابن عباس : كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ، رواه ابن مردويه . وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضا ، وهذا قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ . انتهى من التفسير المذكور .